تقارير: نغم كراجة
أحدثت حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، ظاهرة الأطفال الناجين وحدهم دون عائلاتهم من المجازر الإسرائيلية. ومع استئناف الاحتلال لحرب الإبادة وإحكامه الحصار ومواصلته هجماته على القطاع المدني والحكومي في غزة، وكذلك على المنظمات الإنسانية والإغاثية، فإن هؤلاء الصغار، الذين يُطلق عليهم “الناجون الوحيدون”، يمضون نحو مستقبل مجهول، بينما تحاول بعض الأسر استيعابهم بشكل فردي وسط تحديات إنسانية قاسية.
ليلى الخضري، ابنة العامين والنصف، كانت الناجية الوحيدة من عائلتها من آثار الغارة الإسرائيلية على حي الصحابة، وهي الغارة التي تركت في وجهها ندوبًا جعلت من الصعب على خالتها ابتسام زيدية التعرف عليها. تقول ابتسام: “حينما وقفتُ أمام سريرها، لم أدرك أنها ابنة أختي، كانت صرخاتها تدوي في الغرفة، ووجهها مشوهًا إلى حد لم أتمكن من التعرف عليه، لكنني علمت حينها أن هذه الطفلة لم يعد لها أحد، فقلت في داخلي: لن أتركها للضياع.”
وبعد شهر من العلاج، غادرت ليلى المستشفى لكن مع ندوب تركها القصف في وجهها، كما أن عينها اليمنى تعاني من خلل دائم في البؤبؤ. عندما التقينا ليلى كانت لا تترك يد خالتها، ولا تنام إلا في حضنها، وتصرخ مع كل صوت قصف، كما أصبحت منعزلة تمامًا، فلا تلعب كثيرًا مع الأطفال، وتبقى صامتة أغلب الوقت، كما قالت ابتسام، وأضافت: “عندما يحل الليل، تستيقظ باكية وتناديني: ماما.. احضنيني يا ماما! كيف لطفلة لم تكمل ثلاث سنوات أن تتحمل كل هذا الحزن؟”.
ورغم الظروف المعيشية القاسية التي تعيشها ابتسام زيدية، وغلاء المراهم والمضادات الحيوية اللازمة لعلاج ليلى، غير أنها تكفلت بمصاريف هذه العلاجات. تقول:”أخبرتني الممرضة أن علي دفع تكلفة العلاج، لكنني لم أكن أملك المال، فانتظرتُ عودة زوجي من الجنوب لأتمكن من دفع التكاليف، الوضع كان مأساويًا، ولم يكن أمامي خيار سوى أن أضحي من أجلها.”
ومثل ليلى، فقدت الطفلة منى حسن (4 أعوام) والدها ووالدتها وشقيقتها في قصف على منزلهم وسط قطاع غزة. وقد وجدتها فرق الدفاع المدني بين ذراعي عمها الذي استشهد هو الآخر وشكَّل فيما يبدو بجسده حصنًا لها من نيران الاحتلال. عندما سحبتها فرق الدفاع المدني من تحت الركام، كانت مضرجة بالدماء، لكنها على قيد الحياة.
تصف رغدة الحطاب، جدة منى لأمها، لحظة رؤيتها لحفيدتها في المستشفى قائلة: “لم أتعرف عليها في البداية، كانت مليئة بالجروح، وملابسها ممزقة ومغطاة بالدم، وعيناها غارقتين في الصدمة. ناديتها باسمها فلم تجب، احتضنتها وقلت: جدتك هنا، أنا معك.”
وتؤكد رغدة الحطاب، أن منى مازالت تعيش تحت صدمة المجزرة الإسرائيلية، فترفض تناول الطعام أحيانًا، وتصاب بنوبات بكاء مفاجئة، “ومازالت تنظر إليّ بعيون غارقة في الحيرة وتسألني: متى سنذهب إلى بابا وماما؟ كيف أخبرها أن بابا وماما لن يعودا أبدًا؟”.
وتضيف: “كلما سمعت أصوات الطائرات، تركض نحوي وترتعش بين يديّ. ليست طفلة فقط، بل جرح مفتوح، ووجع لا ينتهي”.
لا يوجد نظام مستدام للرعاية
وبحسب مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، فإن عدد الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب الإسرائيلية على غزة تجاوز 39 ألفًا و384 طفلاً، بينما يواجه أكثر من 3500 طفل خطر الموت بسبب سوء التغذية ونقص الرعاية الطبية، إضافة إلى الآثار النفسية والجسدية العميقة التي خلفها العنف المفرط عليهم.
ويقول إسماعيل الثوابتة: “نحن أمام مأساة إنسانية غير مسبوقة، حيث يجد آلاف الأطفال أنفسهم بلا أسر أو مأوى آمن، ولا يوجد نظام مستدام لرعايتهم وسط الدمار الشامل الذي طال كل مناحي الحياة.”
ورغم جهود الحكومة في غزة في التنسيق مع المنظمات الإنسانية، إلا أن استمرار القصف واستهداف المنشآت الخدمية يعوق تقديم دعم كافٍ لهؤلاء الأطفال، فيؤكد الثوابتة أن “الاحتلال يحاصر أي محاولة لإنقاذهم، ويجعل تقديم العلاج النفسي والرعاية الأساسية شبه مستحيل، خاصة مع تدمير المستشفيات والبنية التحتية”.
ويشير الثوابتة إلى أن معظم الأطفال الناجين يعانون من اضطرابات نفسية شديدة مثل القلق المزمن ونوبات الهلع والانطواء، مؤكدًا أن هذه التداعيات لن تنتهي بمجرد انتهاء الحرب، بل ستظل تؤثر على مستقبلهم لسنوات طويلة، “فنحن لا نتحدث فقط عن أرقام، بل عن جيل بأكمله فقد الشعور بالأمان، ويعيش في حالة خوف دائم من المجهول” أضاف الثوابتة.
ويؤكد إسماعيل الثوابتة أن المجتمع الدولي ملزمٌ بالتحرك لإنقاذ هؤلاء الأطفال، موضحًا أن الدعم الحالي غير كاف، ويجب أن يشمل برامج متكاملة للرعاية النفسية والاجتماعية، محذرًا من أن “استمرار التجاهل الدولي لهذه الكارثة سيجعل من أطفال غزة جيلاً يعيش في عزلة وألم، بلا أمل في التعافي أو بناء مستقبل مستقر”.
صدمات نفسية مروعة
وبينما يؤكد إسماعيل الثوابتة أن الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم “يعانون من صدمات نفسية مروعة”، فإن المستشارة النفسية لطيفة شتات تؤكد أن هذه الصدمات النفسية قد تؤثر على حياة هؤلاء الأطفال في المستقبل بشكل دائم.
وتوضح لطيفة شتات، أن علامات اضطراب ما بعد الصدمة ظهرت على الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم بالكامل، وهي تظهر في صورة نوبات هلع، وكوابيس متكررة، وانعزال اجتماعي، وتغيرات حادة في السلوك، مضيفة أن ليلى ومنى، وغيرهما من الأطفال الناجين، يواجهون فقدانًا مزدوجًا: “خسارة الأسرة، وانعدام الأمان.”
وتشير لطيفة شتات إلى أن التعامل مع هؤلاء الأطفال يحتاج إلى دعم نفسي مكثف، مؤكدة أنه دون رعاية متخصصة، قد تتحول الصدمة إلى اكتئاب مزمن أو اضطرابات سلوكية.
وتابعت: “يجب توفير برامج دعم نفسي مستدامة للأطفال الذين فقدوا عائلاتهم، وتدريب الأسر التي ترعاهم على كيفية التعامل معهم، كما ينبغي دمجهم في بيئات آمنة وإعطاؤهم فرصة للتعبير عن مشاعرهم بدلًا من كبتها.”