مقال: سليمان أبو ستة
عاش الشعب الفلسطيني حرب إبادة غير مسبوقة في قطاع غزة، وهو ما أثر على الفلسطينيين في كل مكان، وكان فيهم من انخرط في المعركة مناصرا لغزة عبر أدوات عسكرية أو دبلوماسية أو إعلامية أو شعبية أو قانونية، وكان فيهم من غاب تماما، لغياب الإرادة أو القدرة، أو لغياب كليهما للأسف الشديد.
والسؤال اليوم؛ ما الذي يجب على الفلسطينيين القيام به لتجاوز آثار الإبادة الصهيونية، والعودة لواقع أحسن يستعيد فيه الفلسطيني شيئا من حقوقه، ويستعيد كذلك قدرته على المبادرة، ليواصل تصديه للمشروع الصهيوني، الذي قد يرى فيما بعد حرب الإبادة فرصة مناسبة لحسم الصراع تماما مع الفلسطينيين، ومواصلة ضرباته للقضاء على الوجود الفلسطيني كليا.
وسأحاول في هذه المقالة البحث في أهم الخطوات التي يجب على الشعب الفلسطيني وقواه الحية العمل عليها، وتركيز جهوده عليها للخروج سريعا من هذه اللحظة التي تمثل مأزقا وطنيا تاريخيا على الصعيد الفلسطيني، وأهم هذه الخطوات من وجهة نظري ما يلي:
أولا: تطوير العمل المقاوم للاحتلال في الضفة والقدس والداخل المحتل، يجب أن تتحول تلك المناطق لبقاع استنزاف للاحتلال، بغض النظر عن حجم الخسائر التي تقع في صفوف الاحتلال، يجب تحويل تلك المناطق إلى نقاط استنزاف، لا يستطيع الاحتلال حمايتها إلا بنشر كم هائل من الجنود، والمقدرات المادية والتكنولوجية والمالية، وابتكار أدوات مقاومة جديدة في كل يوم؛ لإجباره على ابتكار أدوات حماية أكثر حداثة، لأن تلك الموجودة فقدت قدرتها على تحقيق هدفها في حراسة جنوده ومستوطنيه وحواجزه.
ثانيا: رفع وتيرة الحذر الأمني في قطاع غزة، فلقد نشأت عقب حرب الإبادة معادلة جديدة يستبيح فيها الاحتلال دماء المقاومين الفلسطينيين دون حسيب ولا رقيب، واختفت المعادلة السابقة التي كان يؤدي فيها اغتيال مقاوم في غزة إلى قصف تل أبيب.
وبالتالي لابد من تعويض هذا الخلل في ميزان القوة، من خلال تكثيف الحذر الأمني، وحرمان الاحتلال من القدرة على الاغتيال كما يريد، صحيح أن هذا لن يتحقق بنسبة 100% ولكن تقليل الخسائر مهم على كل حال، ولدى المقاومة في غزة تجربة تراكمت عبر الدماء والأشلاء تجعلها قادرة على فهم سلوك الاحتلال، والتعلم من تجاربها.
ثالثا: ترميم القوة العسكرية للمقاومة في قطاع غزة، وتطوير كوادر وقيادات جديدة قادرة على تعويض ما تمت خسارته سابقا، وملء الفراغات الكبيرة بسبب الحرب، وزيادة وتيرة التدريب والتجنيد، واتخاذ كل الإجراءات اللازمة لاستعادة ما فقدته المقاومة خلال عامين من حرب الإبادة، وظني أن المقاومة ستعمل غالبا على دراسة تجربة الحرب ككل، والاستفادة منها، وتقييمها استعدادا لأي عدوان جديد.
رابعا: ترميم الخسارات الكبيرة على صعيد القيادات الشعبية والسياسية والدعوية والتربوية التي فقدتها غزة خلال حرب الإبادة، حيث استهدف الاحتلال كل شخصية ذات تأثير من علماء ومربين ورؤساء بلديات وكوادر تنظيمية ودعاة ورجال إصلاح، ومحاولة تعويض هذا الكم الكبير من الخسائر لن يكون سهلا، لكنه يحتاج لخطة عمل واضحة.
خامسا: تعزيز العلاقات الفلسطينية الداخلية، حيث قامت حماس -مثلا- خلال السنوات الفائتة بتطوير علاقاتها مع القوى السياسية الفلسطينية كالجهاد والجبهة الشعبية والعائلات الوازنة في قطاع غزة، وهذا الأمر يحتاج إلى مزيد من الجهد لينصهر الكل الفلسطيني سياسيا واجتماعيا ونقابيا في أطر عمل نشيطة، تعالج آثار الإبادة، وتجعل همها الأول الحفاظ على الوجود الفلسطيني، وتطوير قدرتنا على حماية أنفسنا كفلسطينيين، وذلك من خلال طرح مبادرات سياسية فوق حزبية، وفوق سياسية، تضع الاعتبار الوطني فوق كل الاهتمامات.
سادسا: البحث في سبل غياب الفعل الجماهيري المقاوم في مختلف أماكن الوجود الفلسطيني واستعادته مجددا، فكيف يعقل أن تمر هذه الحرب على مدار عامين ولا يخرج الفلسطينيون للتظاهر يوميا أو أسبوعيا على الأقل بمئات الألوف في كل مدينة فلسطينية، لابد من البحث في أسباب حدوث ذلك، والعمل على وضع علاجات جوهرية له، لتعود القدرة الجماهيرية كما كانت في الضفة والقدس والداخل، وفي مختلف المخيمات والقرى والبلدات والمدن والجامعات والنقابات.
سابعا: اقتراح مبادرات سياسية موجهة للعالم كله، تقول بوضوح إن الفلسطيني يسعى للحصول على سنوات من الهدوء في مواجهة الاحتلال، بحيث تهدف تلك المبادرات لانتزاع ما يمكن انتزاعه من يد الاحتلال، مع العمل على زيادة كل أسباب القوة الفلسطينية خلال تلك الفترة، لانتظار فرصة مناسبة للضغط على الاحتلال، وإجباره على التراجع أكثر أمام الصمود الفلسطيني الشامل والواسع.
ثامنا: على الكل الوطني الفلسطيني تفعيل كل الأدوات الدبلوماسية، والضغط على كل الوسطاء، وعلى مختلف القوى الرسمية العربية وغير العربية؛ لجلب أكبر كم ممكن من التمويل، لإعادة إعمار قطاع غزة مجددا، فالمواطنون الفلسطينيون في غزة يعيشون ظروفا غير إنسانية في خيام بائسة، ودون مدارس ولا مستشفيات ولا طرقات، ولا أي شكل من أشكال الحياة.
تاسعا: تفعيل كل المؤسسات الخيرية والإغاثية لجلب تمويل شعبي يعزز صمود المواطنين الفلسطينيين بشكل كبير، وفتح آفاق جدية للتواصل مع مئات ملايين المسلمين في آفاق الأرض، يمكن أن يساهموا في الإغاثة، وتحويل ذلك الجهد إلى جهد منهجي دائم يستمر لسنوات طويلة.
عاشراً: البناء على حالة التضامن الجماهير العالمي مع القضية الفلسطينية، والعمل على استنفار تلك الطاقات وتفجيرها، وتأطيرها في لجان عمل لا تتوقف، من أجل مطاردة الاحتلال في كل مكان، وفي كل مجال، وفي كل لحظة.
والعمل على تذكير العالم كله، وفي كل لحظة، بجريمة الإبادة الصهيونية الكبيرة، نحن بحاجة للعمل الإعلامي والنقابي والجماهيري، وبحاجة للحديث بكل اللغات، وللتواصل مع كل الفئات من أطباء ومحامين وإعلاميين ومعلمين، لتخليد مأساة الإبادة، وبكل الأدوات الممكنة.
كانت هذه بعض الأفكار التي يمكن البناء عليها وعلى غيرها، ليخرج الفلسطيني من هذه الإبادة أكثر قوة وصلابة وإيمانا بحقه.