غزة والسيناريوهات المحتملة خلال 2026

مقال: أ. سليمان أبو ستة

تبدو غزة وكأنها تعيش حالة من الجمود عقب اتفاق التهدئة الذي أوقف جزئيا حرب الإبادة الإسرائيلية القاتلة، بينما استمر الحصار وسيطرة الاحتلال على أجزاء كبيرة من قطاع غزة، ومنع الإعمار، وسياسة الاغتيالات وإن كان بوتيرة أقل بكثير من ذي قبل، كما استمرت معاناة المواطنين في غزة من البرد وحياة الخيام، وانعدام مظاهر الحياة العامة بعد تدمير المدارس والمستشفيات ومختلف المؤسسات الحكومية والخاصة.

سنحاول في هذه المقال البحث في السيناريوهات المحتملة خلال العام الجاري 2026 في قطاع غزة

  • السيناريوهات:

أولا: استمرار الوضع الحالي كما هو، بمعنى لا إعمار، ولا انسحاب لقوات الاحتلال، ولا فتح للمعابر، وتعطيل تشكيل أي إدارة تكنوقراط لغزة، مع استمرار العدو بسياسة اغتيالات محدودة كلما سنح هدف مناسب.

والغاية من هذا السيناريو مواصلة عقاب الشعب الفلسطيني ومقاومته على ما جرى في السابع من أكتوبر، وذلك من خلال تحويل غزة كلها إلى مخيم لاجئين كبير يمتد من الشمال للجنوب.

ورغم أن هذا السيناريو قد يؤدي بالمقاومة إلى إعادة بناء جزء من قوتها، إلا إن الإمكانات بين يديها عقب التدمير الواسع لن تكون كبيرة، وبالتالي سيقدر الاحتلال أن ذلك لن يحدث تغييرا كبيرا لأن الدافع لأي عمل مقاوم قد يكون ضعيفا في ظل النتائج الحالية على الأرض.

وهو ما قد يشجع الاحتلال على الاستمرار في هذا الواقع، مع التأكيد على أن الاحتلال سبق وأخطأ بشكل ذريع في فهم عقل المقاومة في السابع من أكتوبر، وهو ما قد يحدث هذه المرة.

ومما يشجع الاحتلال على الاستمرار في هذا السيناريو عدم القدرة على تنفيذ خطة ترامب المتضمنة لنزع سلاح المقاومة إلا بالاعتماد على نفسه، في ظل رفض كثير من دول العالم إرسال أي قوات إلى قطاع غزة.

كما أن استمرار الوضع الحالي سيعفي حكومة الاحتلال من تقديم أي مبادرات سياسية قد لا يكون نتنياهو قادرا عليها أمام جمهوره وائتلافه.

وبالنسبة لجيش الاحتلال فإن بقاء الوضع الحالي يجعله في خط اشتباك مناسب للقيام بأي عمل عسكري واسع، في حال تغيرت الظروف وقرر الذهاب إلى ذلك، ولكن السؤال هل سيبقى قادرا على الدفاع عن هذه الخطوط في حال دخوله في مواجهة إقليمية محتملة، في ظل تهديدات ترامب ونتنياهو لكل القوى المقاومة في الإقليم، وعلى رأس ذلك التصعيد المحتمل مع إيران.

ثانيا: الذهاب للمرحلة الثانية دون نزع سلاح حماس والاكتفاء بتغييبها من مشهد الحكم، عبر إدارة أخرى سواء من مستقلين، أو قوى سياسية فلسطينية، مثل السلطة، أو تيار دحلان، أو غيره.

وفي هذه الحالة قد تنسحب قوات الاحتلال من غالبية المناطق التي تسيطر عليها من قطاع غزة، وقد يتم فتح المعابر جزئيا، وتبدأ وتيرة الإعمار بوتيرة ليست سريعة، بحيث ينشغل الناس في قطاع غزة خلال السنوات العشر القادمة بالإعمار وتداعياته، وتدخل قوة دولية محدودة بموافقة المقاومة للتواجد على حدود القطاع.

وربما كان هذا هو السيناريو الأفضل، ولا يعني ذلك أن الأوضاع ستكون وردية، وأن الحصار سيكسر تماما عن القطاع، ولكنه في النهاية أفضل من استمرار الحياة في الخيام.

ثالثا: بقاء الوضع الحالي عسكريا وأمنيا مع عودة تشديد الحصار، وتقليص كميات الغذاء الداخلة إلى قطاع غزة، واستمرار التضييق على الناس، وإلغاء عمل المؤسسات الإغاثية الدولية، والتشديد على الحوالات المالية، لإجبار المقاومة على التنازل أكثر، تحت ضغط الجماهير التي قد تنفجر في وجه المقاومة بسبب ظروف الحياة القاسية.

رابعا: عودة الاحتلال للحرب عبر البدء بضربة مباغتة وواسعة، والاستفادة من تقصير خطوط حركة آلياته عبر وجوده الفعلي في أكثر من نصف قطاع غزة، وفي هذه الحالة يكون الهدف الفعلي للاحتلال هو قتل أكبر كم ممكن من المواطنين الفلسطينيين، في ظل التكدس الكبير في مخيمات النزوح.

ويبقى السؤال في هذا السيناريو، وما الذي سيحققه الاحتلال هذه المرة أكثر من المرات السابقة، ذلك أنه ليس أمامه في النهاية إلا أن يقرر حكم غزة بنفسه، ومن خلال قواته العسكرية التي لن تسيطر فعليا إلا ببقائها في حالة استنفار واسع لغالبية قوى الاحتياط، وهو ما سيشغلها عن جبهات أخرى ويستنزفها.

ومن خلال تأمل السيناريوهات السابقة نجد أن أكبر الاحتمالات هو بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، مع ذهابه لانفراجات محدودة في بعض الجزئيات، وبعض الأوقات، لكن تغييرا جذريا لن يحدث ما استمرت صورة الإقليم على ما هي عليه، ولكن من الواضح أن تغييرا كبيرا في الإقليم والعالم سيحدث خلال السنوات القليلة القادمة.

مع التذكير على أن أي تحليل منطقي وعقلاني قد يكون بعيدا عن الواقع اليوم، لأن الاحتلال لا يفكر بعقل سليم ومنطق علمي، ولو كان كذلك لما ذهب إلى حرب إبادة مدتها عامان كاملان، دون نتيجة حقيقية، وأي عاقل كان يدرك منذ اللحظة الأولى هذه النهاية التي انتهت بها الحرب.

كما أن الاحتلال فقد ومنذ زمن بعيد القدرة على المبادرة، فلم يقدم أي مبادرة سياسية تجاه الفلسطينيين، وأصر دائما على بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، مع إدراك الجميع أن وضع الفلسطينيين لم يكن قابلا للاستمرار كما هو.

والسؤال: لماذا لم يبادر الاحتلال لتخفيف حصار غزة، وتحسين أوضاعها الاقتصادية بشكل حقيقي قبل السابع من أكتوبر، ولماذا لا يسعى اليوم لتحسين الأوضاع في الضفة، لأنه دائما كان متصورا أن الوضع الحالي سيستمر كما هو، وهو ما يتناقض مع الفهم السليم للأشياء للأسف.

أما الفلسطينيون فالمطلوب منهم اليوم البحث عن خيارات واسعة للضغط على الاحتلال في مناطق مختلفة خارج قطاع غزة، والسعي لتحسين نقاط قوتهم داخل غزة اغتناما لأي فرصة تغيير قادمة، في ظل ذهاب الإقليم كله لمواجهة محتملة في أي وقت، وبين أطراف متعددة.

53
اترك التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المشاركات الأخيرة: