وثائق مسربة: المجتمع المخطط له في رفح يُخضع الفلسطينيين إلى رقابة إسرائيلية شاملة

أظهرت وثائق مسربة أن التجمعات السكنية المخطط لإنشائها في جنوب قطاع غزة، في حال تنفيذها، “ستقوم على احتواء السكان والسيطرة عليهم من خلال المراقبة البيومترية، والحواجز الأمنية، ومراقبة عمليات الشراء، وبرامج تعليمية تروّج للتطبيع مع إسرائيل”، وفقًا لتقرير نشره موقع “دروب سايت نيوز”، بعد 100 يوم من اتفاق وقف إطلاق النار.

وخلال الأسبوع الماضي، عُرِض في مركز التنسيق المدني العسكري في “كريات غات” تفاصيل خطةٍ لما وُصِف بأنه “أول مجتمع مخطط له في غزة”، ويفترض أن يستوعب ما يصل إلى 25 ألف فلسطيني. وأُطلِق على هذه التجمعات اسم “المجتمعات الآمنة البديلة”، ويفترض إنشاؤها  في المناطق الواقعة تحت الاحتلال شرق “الخط الأصفر” .

وأوضح موقع “دروب سايت نيوز”، وهو منصة تحقيقات استقصائية أنشأها صحفيان استقصائيان أميركيان، أن إسرائيل بدأت بالفعل في إنشاء أول تجمع سكاني على قطعة أرضٍ مساحتها كيلومتر مربع واحد في رفح، عند تقاطع ممرين عسكريين، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين سيكونون ملزمين بعبور حاجز أمني للدخول إلى المنطقة.

وجاء في العرض الذي قُدِّم في المركز: “سيُسمح للسكان بالدخول إلى الحي والخروج منه بحرية، مع الخضوع لفحوص أمنية لمنع إدخال الأسلحة والعناصر المعادية”. وأضافت: “سيُسجَّل جميع السكان الداخلين باستخدام توثيق بيومتري لتمكين التعرف عليهم لأغراض الحركة والحصول على الخدمات المدنية”.

وجاء في المواد أيضًا: “سجل السكان سيُبنى على أرقام الهوية الفلسطينية الصادرة عن الجهات المختصة بالتنسيق مع وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق”، في إشارة إلى ما يُعرف فلسطينيًا باسم “وحدة المنسق”، ما يمنح الجيش الإسرائيلي مزيدًا من أدوات المراقبة على الفلسطينيين المقيمين في المنطقة.

وليس معلومًا من هي الجهة التي ستتولى اختيار الفلسطينيين الذين سيقيمون في المنطقة، رغم أن جميع إجراءات التدقيق الأمني للفلسطينيين في غزة سابقًا، سواءً للدخول أو الخروج، كانت تمر في نهاية المطاف عبر “وحدة المنسق”.

وكشف التقرير عن المعايير التي وُضِعت لتحديد الفلسطينيين الذين ستُوجه لهم “دعوةٌ” للعيش في هذه التجمعات السكانية، وهي: تُعطى الأولوية لسكان منطقتي الشابورة ورفح قبل الحرب. ويُفضَّل وجود عائلات ممتدة متماسكة لتمكين التكافل ومنع الاحتكاكات. وهناك حاجة إلى المهنيين الأساسيين، من بينهم المعلمون والكوادر الطبية وفرق الإنقاذ والعاملون والمجتمعيون والتجار وموظفو الإدارة والبلديات والمتخصصون في الشؤون المصرفية والمالية.

وفي كل الحالات، فإن كل فرد سيدخل إلى هذه التجمعات يجب أن يخضع لفحص أمني دقيق بهدف منع أي شخص يُزعَم أنه على صلة بحركة حماس.

أما بخصوص الفلسطينيين الذين ربما كانوا يقيمون في المنطقة أو لديهم مطالبات قانونية بالأرض، فإن العرض الذي قُدِّم في مركز التنسيق يقترح إجراء “فحص بشأن أصحاب الحقوق الخاصة المحتملين، بما في ذلك آليات التسجيل والتعويض”.

ويُطلق على المنطقة السكنية المقترحة في عرض مركز التنسيق المدني – الإسرائيلي اسم “المجمّع الإماراتي”. وليس واضحًا سبب هذه التسمية، باستثناء أن المستشفى الميداني الإماراتي المموَّل من أبوظبي يقع بالقرب من الموقع في رفح.

وتبدو بعض مقترحات مركز التنسيق المتعلقة بالتعليم موجهة نحو برنامج “إعادة تأهيل” مستوحى من النموذج الإماراتي. إذ تنص على أن “برامج الدراسة الطارئة المؤقتة يمكن أن تُسرّع إعداد إطار المناهج لاستئناف التعليم. ولن يكون المنهج قائمًا على حماس، بل سيتبع مبادئ ثقافة السلام، على غرار النموذج الإماراتي”.

وأشار العرض الذي قُدِّم في مركز التنسيق إلى أن “البرامج التعليمية يمكن أن تمنع انحراف السكان غير المتعلمين أو غير المنخرطين في أنشطة منتجة نحو أنشطة غير متوافقة”. ويأتي ذلك رغم أن الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية يتمتعون بمعدلات معرفة بالقراءة والكتابة من بين الأعلى عالميًا، إذ تجاوزت 97% في عام 2020، إلى جانب معدلات مرتفعة من الالتحاق بالتعليم الثانوي والعالي.

وبحسب تقرير “دروب سايت نيوز”، فإن خطة إنشاء التجمعات السكانية تنص أيضًا على إخضاع النشاط الاقتصادي للمراقبة الإسرائيلية، عبر استبدال الاقتصاد النقدي السائد في غزة بـ”محافظ شيكل إلكترونية” تكون “الوسيلة الأساسية للتجارة، نظراً لأمانها وقدرتها على الحد من تحويل السلع والأموال إلى القنوات المالية التابعة لحماس”.

وتقترح الخطة كذلك السماح للسكان “باستيراد المنتجات إلى قطاع غزة لتسهيل وتشجيع التجارة والنمو الاقتصادي”، على أن “تخضع المنتجات لقيود وفحوص أمنية عند المعابر”. إلا أن العرض لا يشير إلى حقيقة أن إسرائيل، التي تسيطر على جميع المعابر، فرضت قيودًا شديدة على دخول البضائع إلى غزة منذ نحو 20 عامًا.

وقال جوناثان ويتال، المسؤول الأممي الرفيع في فلسطين بين عامي 2022 و2025، إن المجتمع المقرر في هذه الخطة “يمكن من خلاله تعميق السيطرة الإسرائيلية وتوسيعها لاحقًا”. وأضاف أنه “بعد تدمير غزة وتجويعها وفرض حصار متعمد عليها خلال السنوات الماضية، فإن هذه المجتمعات الجديدة المقامة فوق أنقاض منازل الناس ليست مجرد مختبرات حكم لاختبار السيطرة والإخضاع النهائيين، بل هي أيضًا إعادة إنتاج لمخيمات اللاجئين”.

وأوضح ويتال، وهو المدير التنفيذي لمبادرة “كيز” للشؤون السياسية والاستشارات الاستراتيجية، أن خطة “المجتمعات البديلة الآمنة” المزعومة “صُمِّمت لاحتواء جيل جديد من الفلسطينيين المجرّدين من ممتلكاتهم، بعد فرزهم وحشرهم في مناطق إسرائيلية السيطرة مقابل البقاء على قيد الحياة، فيما تظل ما يُسمّى المناطق الحمراء تحت الهجوم ومعزولة بشكل متزايد عن نظام إنساني يجري عرقلته عمدًا”.

وجاء في العرض: “ستعمل الشرطة المدنية في الموقع للحفاظ على النظام العام، تحت إشراف قوة الاستقرار الدولية”. ويشير ذلك إلى “قوة الاستقرار الدولية” التي لم تُشكّل بعد، ويُفترض أن يقودها اللواء جاسبر جيفريز، قائد القيادة المركزية للعمليات الخاصة الأميركية. ويضيف العرض أن “إصلاح القطاع الأمني يتطلب تحديث قوانين الشرطة والدفاع المدني، وتعزيز الرقابة والمساءلة، واعتماد مقاربات أمنية تركز على الإنسان، واتخاذ تدابير لمنع التطرف”.

وأكد موقع “دروب سايت نيوز” أن قوة الشرطة المذكورة تُعدُّ في الواقع “فرضًا للرؤية التقييدية لمركز التنسيق المدني – العسكري، التي تقضي بحصر فلسطينيين مختارين في منطقة تخضع لسيطرة اقتصادية واجتماعية وأمنية كاملة من إسرائيل وقوى خارجية”.

23
اترك التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المشاركات الأخيرة: